المصالحات المحلية في ليبيا: تقييم عام

تُعرّف المصالحة المحلية بأنها عملية اجتماعية تعكس جهودا جماعية على نطاق المجتمعات المحلية، وتضم جملة العمليات والمبادرات والأنشطة التي تهم فئات المجتمع الداخلة في النزاع أو الصراع، وذلك بهدف الوصول إلى تسويات يتم التوافق عليها من قبل أطراف ذلك النزاع.[1]

وتعتبر المصالحات المحلية في ليبيا من أبرز آليات فض النزاعات على المستوى المحلي، والتي ساهمت بشكل كبير في تخفيف حدة النزاعات خلال فترات تاريخية مختلفة، وبرز دورها بشكل واضح بعد سقوط نظام القذافي في عام 2011، وما نتج عنه من فراغ مؤسسي وأمني استطاعت القبيلة وقياداتها التقليدية أن تكون البديل فيه عن تلك المؤسسات.

رسم عثمان سالمي

وتعتبر المصالحات المحلية التي ترتكز على الآليات التقليدية، ومنها العُرف من أبرز أدوات فض النزاعات على المستوى المحلي بين أطراف النزاع في ليبيا. وغالباً ما كانت هذه النزاعات عبارة عن نزاعات قبلية، أو مناطقية على حدود الأراضي، أو حالات القتل، وبعض الجوانب الأخرى الاجتماعية والتي منها قضايا الزواج والطلاق. إلا أنه بعد عام 2011، تم تسيّس معظم تلك النزاعات حيثُ تم إعادة إحيائها نتيجة الانقسامات السياسية التي برزت من خلال تصنيف المدن والقبائل، إلى قبائل ومدن مؤيدة لنظام القذافي وأخرى داعمة لثورة فبراير. نتج عن تلك النزاعات التي أخذت طابعاً مسلحاً، شرخاً اجتماعياً، إضافة إلى التهجير والنزوح الذي طال العديد من المناطق. ولعل أبرز نموذج على ذلك قضية مصراتة-تاورغاء. حيث أدى الصراع المسلح وما نتج عنه بعد عام 2011 إلى تهجير سكان مدينة تاورغاء ونزوحهم إلى مناطق مختلفة في ليبيا وتعتبر قضية مصراتة-تاورغاء من أهم ملفات المصالحة في ليبيا، حيثُ يعتبر حلها داعماً لعملية المصالحة المجتمعية والوطنية بشكل عام.[2]

تقييم اتفاقات المصالحات المحلية منذ عام 2011

منذ عام 2011، اتخذ طابع المصالحات المحلية النمط التقليدي السائد عند بروز أي نزاع، حيث يتم ذلك من خلال لجان تشكل من شيوخ القبائل بالمنطقة، أو من يتم اقتراحه من قبائل خارج النطاق الجغرافي لتلك المناطق. وأحياناً قد تتم دعوة بعض نشطاء المجتمع المدني للانخراط في عمليات المصالحة. وثمة شروط وآليات يتم وضعها عادةً للبدء في تسوية النزاعات على المستوى المحلي. وغالباً ما تأخذ نتائج هذه التسويات طابع إدارة أزمات أكثر منها مصالحة حقيقية بين الأطراف المتنازعة، حيث تسعى تلك المبادرات إلى إنهاء العنف، ووقف إطلاق النار بين الأطراف المتنازعة، وتبادل للأسرى والجرحى، وهي غالباً مطالب مؤقتة لكل الأطراف. وبصفة عامة فإن كثيراً من تلك الاتفاقات يتم اختراقها وسرعان ما تبدأ المشاكل بالظهور مرة أخرى بين الأطراف المتنازعة، لأن الحلول لم تكن جذرية، ولم يكن لها ضمانات لاستمرار السلم بين تلك الأطراف.

ويمكن الإشارة هنا إلى أن أبرز اتفاقات المصالحة المحلية منذ عام 2011، هي وثيقة قبيلة العبيدات بشأن مقتل رئيس أركان الجيش الليبي وإثنين من رفاقه، حيثُ تم اختطافهم من قبل مجموعات متطرفة في إثر استدعاء المدعي العام للأول للتحقيق معه بناء على أمر من المستشار مصطفى عبدالجليل رئيس المجلس الوطني الانتقالي.

 الجدول رقم 1. أنواع الاتفاقات والجهات الفاعلة فيها *

المصدر: الجدول من إعداد المؤلفة، 2018.

ومن أبرز الاتفاقات أيضاً، اتفاقية المجلس الوطني الانتقالي مع قبائل الطوارق (2011)، واتفاق التبو والطوارق (2014)، واتفاق التبو والطوارق للسلم والمصالحة (2015)، واتفاق التعاون والتعايش السلمي بين قبيلتي القذاذفة وأولاد سليمان (2016)، واتفاق مصالحة قبيلتي التبو وأولاد سليمان (2017)، ومحضر اتفاق مصراتة-تاورغاء بشأن عودة النازحين وتعويض المتضررين (2016)، وميثاق الصلح بين مصراتة وتاورغاء (2018).[1] ومن خلال تقييم اتفاقات المصالحة بصفة عامة وتحليل بنودها يمكن ذكر بعض الملاحظات منها:

  • اتفقت معظم الاتفاقيات على نقطة الصلح الشامل والدائم بين الطرفين دون وجود الآليات وسبل تحقيق ذلك.
  • في الحالات التي كانت هناك مشاركة من طرف دولي في عمليات المصالحة، كثُرت الإشارة إلى مسألة “جبر الضرر” والتعويضات. فقد نصّت الاتفاقات عادة على أن الوسيط الخارجي (إيطاليا وقطر) سيدفع مبلغ التعويض إلى الأطراف المتضررة. وفي الاتفاقيات التي ترعاها ليبيا، لم يُذكَر جبر الضرر والتعويضات باستثناء اتفاق مصراتة – تاورغاء، وكذلك ميثاق الصلح  بين المدينتين في يونيو 2018، الذي أكد على التزام الجهات التنفيذية المسؤولة في الدولة الليبية بالإيفاء بما رتبه عليها الاتفاق الموقع بين الطرفين.[2]

وعليه فإن كثيراً من تلك الاتفاقات لا يتم النجاح في تنفيذ بنودها. ومن أبرز الأمثلة على ذلك اتفاق مصراتة تاورغاء الذي يعاني من عديد العقبات المستمرة التي تحول دون تنفيذه. ومن تلك العقبات، الوضع الأمني الذي يحول دون تهيئة المدينة وعودة الخدمات بها.[3]

  • إن غياب مؤسسات الدولة القوية والإرادة السياسية هو السبب الرئيس في إخفاق كثير من هذه الاتفاقات المبرمة على أرض الواقع. لا سيّما وأنّ تنفيذ تدابير من قبيل جبر الضرر والمساءلة على وجه الخصوص، يتطلب دعماً من الدولة.

التحديات التي تواجه عملية المصالحة المحلية

هناك جملة من التحديات التي تواجه المصالحات على المستوى المحلي بشكل خاص والوطني بشكل عام، من بين تلك التحديات، انتشار السلاح والجماعات المسلحة والمؤسسات الموازية للمؤسسات الأمنية للدولة، والتي تعمل على عرقلة أي اتفاقات للمصالحة. فغياب دور الدولة خاصة ما يتعلق منها بالجانب الأمني من أهم تحديات مشاريع المصالحة، لأن وجود الدولة ومؤسساتها هو ضمان للالتزام بالمواثيق. كما أنها تساهم في تطبيقها. إضافةً إلى تقديم المصالح الخاصة، سواء كانت قبلية، وجهوية ومناطقية على المصلحة الوطنية. كذلك يعتبر تدخل الأطراف الخارجية، خاصة إذا كانت لأهداف لا تخدم ملف المصالحة في ليبيا من أبرز التحديات. كذلك استشراء ظاهرة استيفاء الحق بالذات، وغياب ثقافة التسامح والتصالح في بعض المناطق والمدن. إضافةً إلى ذلك نقص الإمكانيات المادية التي تساعد على التواصل بين الأطراف التي تسهم في عمليات المصالحة، ونقص الجوانب اللوجستية.

ضمانات نجاح المصالحات المحلية

لضمان نجاح المصالحات المحلية في ليبيا، ينبغي التركيز على الجوانب المعنوية والأخلاقية، ومنها الوازع الديني والولاء للوطن، والحفاظ على العهود والثقة بين مختلف الأطراف والرغبة الحقيقية في تحقيق السلام. مع التركيز على أهمية دور الدولة ومؤسساتها في ضمان التنفيذ الناجح لمبادرات المصالحة المختلفة، وخصوصاً ما يتعلّق بإجراءات الانتصاف والمُحاسبة. من أبرز ضمانات النجاح أيضاً الدور الذي يمكن أن يسهم به الحوار الوطني في تعزيز المصالحة على المستويين المحلي والوطني، والتأكيد على استقلالية أطراف الحوار عن أي تدخل خارجي أو محاولات لتسييس الملف، مع الحرص على تقديم المَصالح الوطنية على المصالح الشخصية، والمناطقية، والإقليمية، والقبلية، إضافةً إلى المِلكيّة الليبية لمشاريع المصالحة، سواءً المحلية أو الوطنية، والحاجة إلى عقد لقاءات المصالحة داخل ليبيا، إضافة إلى نزع السلاح ومنع انتشار الأسلحة، مع التركيز على تعزيز ثقافة التسامح وقبول الآخر، بما في ذلك من خلال التعليم والبرامج الإعلامية.[4]

الخلاصة

اعتمدت مساعي المصالحة المحلية التي جرت في ليبيا منذ عام 2011 على آليات المصالحة التقليدية في الأغلب. وقد لعب فيها الحلّ العُرفي للصراع دوراً رئيساً. أسهمت الجماعات القبلية أيضاً في تسوية النزاعات من خلال تشكيل لجان المصالحة، وتألّفت في الأغلب من زعماء تقليديين، وتشمل أسباب القبول بهذه الآليّات التقليدية،  قبول المجتمع المحلّي بهذه الآليّات التقليدية، والالتزام بالعُرف وبالتسويات الناتجة عنه. كذلك فإن ضُعف الدولة منذ عام 2011 وغياب مختلف مؤسساتها، ولا سيّما المؤسسات الأمنية والقضائية في مناطق كثيرة من البلاد، عزّز الدورَ التقليدي للقبائل ومؤسساتها المنبثقة، مثل المجالس القبلية على المستويات المحلية والإقليمية والوطنية. ولعل من أبرز جوانب ضعف عمليات المصالحة المحلية هو غياب المرأة عن عمليات المصالحة المحلية. وفي واقع الأمر، فإنّه من غير المقبول اجتماعياً حضور المرأة في الاجتماعات والمشاورات والمفاوضات أو فعاليات المصالحة التي يُنظر إليها على أنها مهامٌ تخصّ الرجال وحدَهم. كذلك الأمر بالنسبة لتغيب الشباب عن المصالحات المحلية، حيثُ ينظر إليهم غالباً بأنهم مصدر النزاعات بين القبائل والعائلات. وعلاوة على ذلك، كثيراً ما تعتمد مجالس المصالحة على صنّاع القرار، وهُم من الشيوخ الأكبر سناً. عليه، فإنه من المهم إشراك الشباب والنساء في مبادرات المصالحة الوطنية وفي المجتمع المحلي، والاعتراف بدورهم في تعزيز الأمن والسلم الاجتماعي، إضافةً إلى تأسيس لجان مصالحة من الشباب والنساء لتحسين قدراتهم في المشاركة في هذه المساعي، بما يشمل التدريب على مهارات الوساطة وبناء السلام.

  • نشر هذا المقال في العدد | 14 | أبريل 2019، من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد انقر/ي على الرابط ادناه:

لمن القانون في تونس 2018؟

* لقراءة الجدول بصورة أوضح اضغطوا على الرابط أدناه:

 الجدول رقم 1. أنواع الاتفاقات والجهات الفاعلة فيها 


[1] Amal Obeidi, Local Reconciliation in Libya : An Exploratory Study on Traditional Reconciliation Process and Mechanisms since 2011,op.cit. pp. 9-14.

[2] وثيقة ميثاق صلح مصراتة-تاورغاء، مصراتة 3. 6. 2018.

[3]  يعتبر الوضع الأمني أحد أهم عقبات عودة واستقرار أهالي مدينة تاورغاء التي ما زالت تفتقر لمتطلبات الحياة الأساسية. وعليه فإن تفعيل الأجهزة الأمنية، وتسهيل إجراءات البحث عن المفقودين يعتبران من أهم بنود إعادة الأهالي، ناهيك عن إعادة تأهيل المدينة وتوفير الخدمات اللازمة كعودة التيار الكهربائي، وإعادة صيانة المدارس. بوابة الوسط، 17 يونيو 2018، http://alwasat.ly/news/libya/209418.

[4] اعتمد هذا الجزء وبعض أجزاء من هذا المقال على مقابلات مع بعض الشيوخ وذوي الاهتمام بقضايا المصالحة الوطنية والمحلية في ليبيا.


[1] Amal Obeidi, Local Reconciliation in Libya: An Exploratory Study on Traditional Reconciliation Process and Mechanisms since 2011, UNDP, 2018.

[2] بلغ عدد سكان تاورغاء حسب التعداد العام للسكان في ليبيا عام 2006  حوالي 24,223 ، حيث كانت تاوغاء تتبع مدينة مصراتة ومن ضمن 25 مؤتمر شعبي أساسي حسب التقسيم الإداري خلال فترة حكم القذافي. http://bsc.ly/?P=5&sec_Id=17&dep_Id=6. وكذلك file:///C:/Users/bt304480/AppData/Local/Temp/7zOCD42E155/السكان.pdf. وحسب تقارير المفوضية السامية للاجئين فإن 35,000 من تاورغاء تم تهجيرهم إلى أماكن مختلفة في جميع أنحاء ليبيا، منهم 16,000 متواجدين في المنطقة الشرقية، و12,000 في المنطقة الغربية خاصة في طرابس.  إنظر أيضاً :

Libya from Repression to Revolution: A Record of Armed Conflict and International Law Violation, 2011-2013, M. Cherif Bassiuni, (ed), Liden: Martinus Nijhoff Publishers, 2013., pp. 617-619.